بردًا وسلامًا
في الزقاق الضيق من حيّ المهاجرين، حيث تلتصق البيوت كالأحلام القديمة، كانت سلوى امرأة يعرفها الجميع بابتسامتها التي لا تُفارِق وجهها، وبصوتها الذي يملأ الحيّ دفئًا كل صباح وهي تسقي الورد المزروع في علب الصفيح القديمة على شُرفة بيتها.
كانت الحياة بالنسبة ل سلوى بسيطة،
لكنها مليئة بالحبّ.
أمّ لولدين، وزوجة لرجلٍ صبورٍ مثلها، تشاركهما لقمة الخبز ورضا القلب.
لم تكن تعرف معنى الضعف،
حتى جاء اليوم الذي سمعَت فيه الكلمة التي لا تُنسى:
نتائج التحاليل تشير إلى ورمٍ خبيث…
تجمد كل شيء لحظتها. الهواء، والنبض، وحتى الأمل. لم تكن سلوى تخاف الموت، لكنها خافت على أولادها من بعدِها، على تلك الشرفة التي لن يسقي وردها أحد إن رحلت.
في الأيام الأولى، كانت تنهار بصمتٍ حين ينام الجميع، ثم تمسح دموعها وتقول لنفسها:
هو امتحان من الله…
وأنا سأنجح فيه بإذنه.
بدأت رحلتها مع العلاج،
بين جلسات الكيماوي،
وغرف الأشعة الباردة،
والانتظار الطويل أمام الأبواب البيضاء.
كانت كل مرة تقول بهدوء:
هذا الوقت سيمر…
وسأكون بخير.
كانت تتوضأ قبل كل جلسة علاج،
وتقرأ سورة يس بصوتٍ خافت،
كأنها تصالح جسدها بالكلمات،
وتسكب الطمأنينة على أوجاعها.
كانت تشعر أن الله قريب، قريب جدًا…
اللهم اجعل النار بردًا وسلامًا كما جعلتها على إبراهيم.
هذا الدعاء صار رفيقها في كل خطوة.
في حيّ المهاجرين، صار اسم سلوى يُذكر بخير.
البعض كان يتعاطف،
والبعض يخاف الاقتراب،
وآخرون وقفوا بجانبها بكل ما يملكون من محبة.
لكن سلوى لم تلُم أحدًا.
كانت تبتسم وتقول:
المرض غربال، يبيّن لك معادن الناس.
مرت شهور، ثم عام…
تساقط شعرها، فربطت على رأسها وشاحًا زهريًا وقالت لضفتي المرآة:
ما زلت أنا…
سلوى بنت حيّ المهاجرين،
الجميلة بإيماني.
كان الألم شديدًا، لكن إيمانها أشد.
كانت تقول لمن حولها:
المرض مش نقمة…
هو هدية من الله،
تذكير إنو الحياة قصيرة،
وإن الله بيحبنا وقت بيبتلينا.
وفي مساءٍ من أمسيات تشرين،
بعد آخر جلسة علاج،
جلست على شرفتها،
وابتسمت وهي تنظر إلى الغروب الذي تلون بلون الورد الذي سقتْه يومًا.
كتبت بخطٍ متعب على ورقة صغيرة وضعتها على طاولتها:
هذه حروفي ستبقى هنا…
وأذهب أنا يومًا ما.
الحمد لله دائمًا وأبدًا.
ومنذ ذلك اليوم، بقيت كلماتها في الحيّ كأثرِ ضوءٍ لا ينطفئ.
حين تمرّ نساء الحيّ أمام بيتها، يطرحن عليها السلام، ثم يبتسمن ويقلن:
سلوى نستمد قوتنا منك…انت قدوتنا في الصبر …
كنتِ بردًا وسلامًا.
سالم حسن غنيم
حكواتي الوجدان الشعبي